العنف بين الطلاب فى المدارس.. حوادث فردية أم ظاهرة؟

• رشا الديدي: الاعتداءات متكررة وعنيفة.. وغياب الدور التربوي للمدرسة وتراجع دور الأسرة ساهما في تراجع المستوى الأخلاقي. • محمد الحديدي: عندما يترك الطلاب بمفردهم مع وسائل التواصل الاجتماعي، فإنهم يندفعون إلى العنف الجسدي والنفسي والأخلاقي. • تامر شوقي: يجب إتاحة الفرصة للطلبة للمشاركة في الأنشطة وعدم الاقتصار على الدراسة والامتحانات. • مقترحات لدعم الصحة النفسية للطلبة من خلال توفير متخصصين في الصحة النفسية في المدارس ومعالجة المشاهد العنيفة في الأعمال الفنية وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
منذ بداية العام الدراسي الحالي، وقعت العديد من الحوادث العنيفة بين الطلاب في المدارس، بدءًا من الاعتداءات الجسدية وحتى التنمر. وكانت الحادثة الأخطر هي ما حدث لكارما، وهي طالبة بمدرسة كابيتال الدولية بالتجمع الخامس. وتعرضت للضرب المبرح من قبل أحد زملائها في الفصل، مما أدى إلى تعرضها للإهانات والقذف العلني، فضلاً عن الإعاقة الدائمة (كسر في الأنف، وجرح عميق في فروة رأسها، وكدمات في جميع أنحاء جسدها).
وكانت آخر تلك الحوادث، ما حدث بمدرسة السادس من أكتوبر القومية بمدينة السادس من أكتوبر، حيث اندلعت مشاجرة بين طلاب الصف الأول الثانوي بإحدى المدارس، قام خلالها أحد الطلاب بتشويه وجه طالب آخر بشفرة حلاقة.
ويعتبر مدير المدرسة والمعلمون والمشرفون مسؤولين عن كل الحوادث التي تقع داخل المدرسة، حتى لو كانت بسبب سوء التربية أو تأثير العوامل الخارجية في بيئتهم، مثل وسائل التواصل الاجتماعي.
قالت الدكتورة رشا الديدي أستاذ علم النفس الإكلينيكي بكلية الآداب بجامعة عين شمس، إن العنف في المدارس ليس مجرد مشكلة فردية، بل هو تعبير عن مشكلات اجتماعية وثقافية تتطلب علاجا شاملا يشارك فيه الأسرة والمدرسة والمجتمع ككل. يمكن لهذه الحلول المتكاملة أن تعمل على الحد من العنف في المدارس وتعزيز بيئة تعليمية أكثر أمانًا.
وفي تصريحات لـ«الشروق»، أشارت رشا الديدي إلى أن العنف بين الطلاب يمكن اعتباره ظاهرة اجتماعية إذا كان متكرراً ويؤثر على شريحة واسعة من الطلاب من مختلف المدارس والمناطق. ومع ذلك، قد تكون الحوادث الفردية ناجمة عن نزاعات شخصية. ومع ذلك، إذا أصبحت الهجمات متكررة وعنيفة، فهذا يشير إلى وجود مشكلة أعمق تتطلب تحقيقا وعلاجا منهجيا.
وأرجع الديدي أسباب العنف بين الطلبة إلى عدة أسباب أهمها التربية العنيفة أو الإهمال الأسري. إذا نشأ الطفل في بيئة يتم فيها استخدام العنف لحل المشاكل، فإنه قد يتعلم هذا السلوك ويستخدمه في حياته. يمكن أن يكون الضغط والتوتر النفسي، وكذلك العنف، وسيلة لتخفيف الضغط الأكاديمي أو الاجتماعي أو النفسي من خلال تقليد ومحاكاة تجربة العنف في المنزل أو المدرسة أو في وسائل الإعلام، مما يسبب ضعف الهوية والانتماء، واضطرابات الشخصية والسلوك. في بعض الحالات، يرتبط العنف باضطرابات مثل السلوك المعادي للمجتمع أو اضطرابات التحكم في الانفعالات.
ورأت أن غياب الوظيفة التربوية في المدارس واعتمادها على تقديم التعليم ساهم في تراجع المستوى الأخلاقي للطلبة. ووجدت أن المدارس التي تركز فقط على التحصيل الدراسي دون تعزيز القيم الأخلاقية والمهارات الاجتماعية تخلق بيئة غير متوازنة. إن التربية السلوكية لا تقل أهمية عن التربية التربوية، إذ يجب تعليم الطلبة قيم التسامح والحوار وحل النزاعات سلمياً.
وأوضح أستاذ علم النفس الإكلينيكي أن عدم وجود أسرة فاعلة أدى إلى زيادة العنف، حيث أن الأسرة هي الأساس في نمو شخصية الطفل. إن قلة الرقابة والعنف الأسري وتفكك الأسرة، فضلاً عن تركيز الوالدين على تربية الأبناء، كلها عوامل قد تؤدي إلى انحراف سلوك الأطفال. قد يحاول الأطفال الذين يفتقرون إلى الاهتمام أو الدعم العاطفي التعويض عن طريق السعي إلى السلطة والسيطرة من خلال العنف.
وعن دور مواقع التواصل الاجتماعي في زيادة العنف بين الشباب، قالت إن انتشار الفيديوهات التي تحتوي على مشاهد عنيفة يؤدي إلى اعتياد المشاهد عليها تدريجيا، ما يقلل من حساسيته تجاه هذه المشاهد. إن التقليد الأعمى لبعض التحديات الشائعة على TikTok يشجع على السلوك العدواني أو التنمر من أجل الحصول على الإعجابات والمشاهدات. وأضافت: “إن التعرض المستمر للمحتوى المسيء أو الإهانات عبر الإنترنت قد يُضعف ثقة الطفل بنفسه، ويدفع بعض الشباب إلى العنف كوسيلة للتعويض أو لإثبات الذات. كما أن غياب التوجيه الأسري وضعف الرقابة الأبوية يجعل الأطفال والشباب عرضة لمحتوى غير مناسب لأعمارهم”.
وأكدت رشا الديدي أن مدير المدرسة يتحمل جزءا من المسؤولية عن البيئة المدرسية، لكن المشكلة تتجاوز سلطة أي شخص. وإذا لم توفر لهم إدارة التعليم أدوات فعالة لمكافحة العنف أو إذا كانوا يعانون من ضغوط العمل دون الحصول على الدعم الكافي، فمن غير العدل تحميلهم المسؤولية الكاملة. ومع ذلك، فإن دورهم في تعزيز بيئة مدرسية آمنة، وتنفيذ إجراءات تأديبية عادلة، وإشراك الآباء والمجتمع يظل بالغ الأهمية.
وطرحت الديدي عدة مقترحات لمكافحة العنف في المدارس. وتشمل هذه التوصيات تحسين التعليم السلوكي في المناهج الدراسية، ودمج البرامج التعليمية حول إدارة الغضب وحل النزاعات والتواصل الفعال، وتقليل المحتوى الأكاديمي غير الضروري لإفساح المجال للأنشطة التعليمية والفنية والرياضية، ودعم الصحة النفسية للطلاب من خلال توفير متخصصين في الصحة النفسية في المدارس لمراقبة الطلاب الذين يظهرون سلوكًا عدوانيًا والتدخل في وقت مبكر معهم، وتثقيف الآباء حول أساليب التربية الإيجابية وأهمية قضاء وقت جيد مع أطفالهم، وتشجيع الأنشطة اللامنهجية مثل الرياضة والدراما والفن كوسيلة لإطلاق الطاقة والتعبير عن المشاعر بدلاً من العنف، وإنشاء جلسات حوار في الفصول الدراسية أو أثناء الاستراحة لمناقشة قضايا العنف تحت إشراف المعلمين وعلماء النفس.
وأكدت على ضرورة استخدام التكنولوجيا لمراقبة سلوك الطلاب وتحليل البيانات السلوكية في المدارس للكشف عن علامات العنف قبل تفاقمها. وأكدت أيضا على ضرورة إنشاء منصة إلكترونية تتيح للطلبة التعبير عن مشاكلهم والإبلاغ عن حالات التنمر بسرية تامة. وأكدت أيضا على ضرورة التوعية بمخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، وتعزيز المحتوى الإيجابي، ووضع إجراءات صارمة لمكافحة التنمر والعنف في المدارس، دون السماح بالعقوبات القاسية أو غير المدروسة. وأكدت أيضًا على أنه يجب استبدال العقوبات التقليدية بأساليب تأهيلية مثل جلسات إدارة الغضب والعمل التطوعي في المدارس والرياضة.
أوضح تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، أن وظيفة مدير المدرسة من أصعب الوظائف وأكثرها إرهاقاً للقائمين عليها نتيجة عوامل متعددة. ويرجع ذلك بشكل خاص إلى كثرة الضغوط والصراعات التي يتعرض لها المخرج. ويتضمن ذلك الضغوط من جانب الإدارة العليا للمدرسة، والمعلمين الآخرين في المدرسة نفسها، والطلاب وأولياء الأمور. في كل مشكلة يجب أن يكون العميل هو محور الاهتمام. لقد زاد الضغط على مدير المدرسة في الآونة الأخيرة مع إدخال نظام التقييم الأسبوعي واليومي والشهري. ولتحقيق هذه الغاية، تقوم الإدارة والتنظيم والوزارة بتشكيل لجان متابعة يومية. ويتم مساءلة المدير ومعاقبته في أمور لا تخصه مباشرة بطريقة لا تحدث في أي مهنة أخرى، كأن يعتدي طالب على آخر داخل المدرسة أو يعتدي معلم على طالب.
وأضاف شوقي لـ«الشروق» أن زيادة أعداد الطلاب في بعض المدارس أدت إلى زيادة المشكلات داخل المدرسة وعدم قدرة مديري المدارس على إدارتها وحلها. بالإضافة إلى ذلك فإن وجود عدد كبير من الطلبة الذين يفتقرون إلى القيم الدينية والأخلاقية الراسخة كالالتزام والنظام واحترام الكبار أدى إلى مشاكل عديدة.
ويرى شوقي أن هذه المشكلات يمكن حلها من خلال تقديم دورات لمديري المدارس حول الخصائص النفسية للمراحل العمرية للطلبة في مدارسهم. وبذلك يمكن التعامل معهم بفعالية، وتطبيق الإجراءات التأديبية بحق الطلبة المخالفين للقانون بأقصى درجات الشدة والصرامة، وإعطاء الطلبة فرصة ممارسة الرياضة بدلاً من مجرد قمعهم من خلال الدراسة والامتحانات، مما يقلل من عدم انضباطهم، وتفعيل دور الأخصائي النفسي المدرسي للتعرف على الطلبة ذوي الميول العدوانية والتعامل معهم بالشكل المناسب.
من جانبه، قال الدكتور محمد الحديدي أستاذ الطب النفسي بكلية الطب بجامعة المنصورة، إن السنوات الأخيرة شهدت حوادث متكررة في المدارس، بعضها تم رصده والبعض الآخر لم يتم الإبلاغ عنه، مما يشير إلى وجود مشكلة بين الأطفال والمراهقين في المجتمع.
وفي تصريحات لـ«الشروق»، أرجع الحديدي انتشار ظاهرة العنف إلى العنف داخل المنزل بين الوالدين أو بين الوالدين والأبناء، ما يدفع الطفل إلى ممارسة العنف خارج المنزل ضد أقرانه. وأشار أيضاً إلى أن هناك نوعين من العنف: الجسدي والنفسي، كالتنمر والإذلال والتحقير للآخرين. وأشار إلى أن البرامج والمسلسلات التلفزيونية وما تحتويه من عنف لها تأثير سلبي على الأطفال والمراهقين لأنها تشكل سلوك المجتمع وتظهر للطفل أن المتنمر هو المثل الأعلى والقدوة، مما يدفع الطفل إلى تطبيق ما يشاهده على أقرانه لأنه يرى فيه قوة.
وأشار الحديدي إلى أن المدرسة تلعب دوراً مهماً في الإشراف التربوي ومحاربة التنمر بين الطلبة، إذ إذا لم تعاقب المدرسة الطالب في حال المخالفة فإنها تضمن استمرار الطالب في أداء واجباته. وأكد أن الأطفال الذين يتبين وجود ميل لديهم للعنف يجب أن يخضعوا لفحص نفسي. يجب تقديم الدعم النفسي الإضافي للأطفال الذين تعرضوا للعنف، لأنه إذا تعرض الطفل للعنف بشكل متكرر، فإنه سوف يشعر بالعجز وقد يقدم على الانتحار. وأكد أنه يجب الاهتمام بالجانب الديني والأخلاقي وأن هذه هي المهمة الأساسية للمدرسة: التربية قبل التدريس. وحذر الحديدي من ترك الأطفال بمفردهم مع مواقع التواصل الاجتماعي. ووصفها بالخطيرة لأنها تدفع الأطفال والشباب إلى العنف الجسدي والنفسي والأخلاقي. على سبيل المثال، يحدد موقع فيسبوك سنًا معينة للدخول إلى الموقع حتى يتمكن الأطفال من التمييز بين الجيد والسيئ. في الواقع، يستخدم الأطفال المواقع الإلكترونية منذ الصغر، وهناك العديد من الألعاب الإلكترونية التي تدفع بعض الأطفال إلى ارتكاب جريمة قتل أو الانتحار.
ودعا الحديدي إلى مواجهة حاسمة للعنف بكل أشكاله بما في ذلك التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، والرقابة الأبوية الصارمة على الأطفال والاهتمام بالدعاية المضادة من خلال خطاب التسامح وأضرار العنف. وأعرب عن اعتقاده بأن من مسؤولية كافة الأجهزة الحكومية مكافحة العنف ومنع انتشاره.